إن الرؤية الإسلامية النابعة من كتاب اللَّه سبحانه وتعالى وسنّة النبي صلى الله عليه وآله واضحة الدلالات في حثها وترغيبها، بل في إعطائها للزواج مكانة قلّ نظيرها، حتى قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مؤكدا على هذا الجانب: (ما بني بناء في الإسلام أحب إلى اللَّه عزّ وجلّ من التزويج).(1)
وتكفلت روايات أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين في كل تفاصيل هذا الأمر المهم من أوله إلى نهايته فهذه الروايات تقدم النصائح النافعة لمقدمات الزواج وما يجب على الأنسان أن يراعيه حتى يختار الزوجة الصالحة، ثم تأتي روايات أخرى تبين  ما على المرأة والرجل فعله عند عقد القران، كما أنها لم تترك الزوجين في هذه المرحلة، بل تستمر في هذا الأمر إلى أعمال أول يوم الزواج، فهناك روايات كثيرة تشرح للزوجين ما عليهما فعله، منها وقت الجماع وأذكاره، ثم روايات أخرى تربوية ومفيدة للزوجين تعلمهم الحياة وكيفية التعامل مع الآخر، بل ترشدهما لبناء مجتمع يتمتع بالسعادة شرط تطبيقها.
وهنا نريد أن نشير إلى بعض الأهداف السامية من هذا الأمر العظيم أي الزواج.
أولاً: الاستقرار النفسي:
إن في الوقت الراهن هذا والعصر يفتقر إلى الراحة وصفاء العقل والاسترخاء، والناس في هذه الايام يتمسكون بأي وسيلة لغرض الوصول إلى هذا الأمر، لكنهم غفلوا أن الشريعة الإسلامية قد بيّنت ما تتمتع بها قضية الزواج وتشكيل العائلة، فإن فيها توجد هذه المعاني أي استقرار النفسي لدى المتزوج، واليوم في الغرب يرون الاستقرار النفسي في اللذات العابرة والغير مشروعة وعدم وجود الالتزام الأخلاقي بين الزوجين وما هي إلى تلبية إلى رغبات نفسية وإرضاء الشهوة الجنسية باعتبارها هي الغاية القصوى عندهم، في حال أن الزواج أمر مقدس ويهيئ الحالة الصفاء والاستقرار الروحي والذهني الجسمي، ويسد لك رغباتك التي تحتاجه في حياتك إلى أن تصل للكمال المطلوب الذي حث عليها الإسلام، وفي روايات أهل البيت عليهم السلام تعاليم ومفاهيم نافعة وقيمة للزوجين مثل كيف يستقبل أحدهما الأخر وكيف يتكلمون فيما بينهم وحتى الأمور التي تختص فيما بين الزوجين بأدق التفاصيل.
ثانياً: تكاثر نوع البشر:
أسمى هدف لأمر الزواج هو تكاثر نوع البشر، فالتكاثر البشري في الحقيقة هو قانون الطبيعة، حيث كل الموجودات الحيّة تابعة وتحت تأثير هذا القانون، وكما أنهم يساعدون ويساهمون في ازدياد أنواعهم، والإنسان أيضا عندما يتزوج، ويرضي شهوته الجنسية عندها يساهم في ازدياد نوع البشر، وهذا الأمر ورد في كثير من الروايات الشريفة حيث تشير إليه بوضوح كما عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:( تَزَوَّجُوا السَّوْدَاءَ الْوَلُودَ الْوَدُودَ وَ لَا تَتَزَوَّجُوا الْحَسْنَاءَ الْجَمِيلَةَ الْعَاقِرَ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَ وَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْوِلْدَانَ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَسْتَغْفِرُونَ لِآبَائِهِمْ وَ يَحْضُنُهُمْ إِبْرَاهِيمُ ص وَ تُرَبِّيهِمْ سَارَةُ ص فِي جَبَلٍ مِنْ مِسْكٍ وَ عَنْبَرٍ وَ زَعْفَرَان).(2)
وقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله: (تناكحوا تناسلوا تكثّروا فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة و لو بالسّقط).(3)
كما نشاهد أن الروايات الواردة عن الرسول الإسلام صلى الله عليه وآله كيف تحث على التكاثر وأنه أمر بالغ الأهمية، فبلغ درجة رفيعة يباهي (ص) الأمم الأخرى يوم القيامة بهذا الأمر، وكيف يحث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على الزواج بالمرأة التي تكون ولودة، ولا يحبب الزواج بالعاقر ولو كانت جميلة أو ذات محاسن أخرى، فيأتي التأكيد أولاً أن تكون المرأة ولودة كثيرة الأنجاب، وثانياً ودودة كي تتودد وتتقرب إلى زوجها إذا غضب منها، فهذان الصفتان خصلتان أساسيتان في حياة المرأة، وخير شاهد على ذلك أيضا قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «جَهادُ الْمَرأةِ حُسْنُ التَّبَعُّل».(4)
ثالثاً: الحفاظ على الدين:
ما أكثر أولئك الذين دفعت بهم غرائزهم فسقطوا في الهاوية، وتلوثت نفوسهم، وفقدوا عقيدتهم؛ ولذا فإن الزواج يجنّب الإنسان السقوط في تلك الزلات الخطيرة؛ وقد ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تزوج أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر)،(5)  فالزواج لا يكفل للمرء عدم السقوط فحسب، بل يؤفّر له جواً من الطمأنينة يمكّنه من عبادة الله سبحانه والتوجه إليه، إذ إن إشباع الغرائز بالشكل المعقول يوفر حالة من الاستقرار النفسي الذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة الدينية.
وعلى هذا فإن الزواج الذي يعرّض دين الإنسان إلى الخطر، هو الزواج الذي يخلّصه من الوقوع في حبائل الغريزة الجنسية ليقع في حبائل أخرى مثل الكذب والخيانة والممارسات المحرّمة لا يمكن أن يعتبر زواجاً، بل فخاً جديداً للشقاء؛ والزواج الذي تنجم عنه المشاكل والنزاعات وإيذاء الجيران بالصراخ، والزواج الذي يكدر صفو الأقرباء والأصدقاء يوجد له أيضا حل في الشريعة الإسلامية.
رابعاً: الإيمان والمحبة وجهان لعملة واحدة:
إضافةً إلى كون كل من الزوجين سكناً وزينة للآخر﴿... هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ...﴾ (6)، فإن كلا منهما سلوى وعامل للترفيه عن شريكه، وأفضل عامل في هذا المجال إذا كان البيت هو حقاً كما يريده الإسلام وكان سلوك كل منهما على وفق تعاليمه.
عند ذلك تكون المحبة فائضة في البيت وفي هذه الحالة يزداد إيمان الزوج، فانظر إلى أحاديث أهل بيته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين في هذا الأمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ما أظنّ رجلاً يزداد في الإيمان خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء)،(7)، فالعلاقة بينهما تكون علاقة طردية كلما ازداد طرف ازداد الآخر.
ولذلك فإن الأزواج الناجحين هم من تتطلَّع قلوبهم دوماً إلى بيوتهم والعودة إليها بعد انتهاء عملهم اليومي، لكي يذهبوا عن أنفسهم فيها التعب والنصب والهموم، ويستعيدوا الحيوية والنشاط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ وسائل الشيعة: ج20، ص 14.
2ـ النوادر للراوندي، ص: 13.
3ـ جامع الاخبار ص 118، البحار ج 103، ص 220، المحجة البيضاء: ج3، ص53.
4ـ وسائل الشيعة، ج11، ص 15.
5ـ وسائل الشيعة ج20، ص 18.
6ـ سورة البقرة:187.
7ـ وسائل الشيعة: ج20، ص22.

 

 

انشر هذا المقال

المزيد في هذه الفئة : « 10 نصائح لحياة زوجية سعيدة
رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة


من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه