مجلة ريحانة الالكترونية

وفاة السيد عبد العظيم الحسني / رسالة الإمام الرضا عليه السلام الى السيد عبدالعظيم

مدة القرائة: 7 دقائق
بعث الإمام الرضا عليه السلام رسالة لكافة الشيعة والمؤمنين بواسطة عبد العظيم الحسني، وذكر فيها نقاط ذهبية ومثيرة للاهتمام؛ لكي لا تفوتهم فرصة الحياة الثمينة، وأن لا يتدخلوا في أمور لا تكون فيها رضى المولى من قبيل العداوة مع بعضهم البعض ويكون لهم سلام ووئام مع بعضهم الآخر. يوافق يوم الخامس عشر من شهر شوّال سنة 252 للهجرة ذكرى وفاة السيد عبد العظيم الحسني، وهنا نشير إلى مفاد الرسالة التي كتبها الإمام الرضا عليه السلام لشيعته، حتى يضعوها نصب أعينهم، ويجعلوها دستورا لهم في حل مشاكلهم، وتقربهم لله تعالى وتصلح لهم أمورهم، وبهذه المناسبة وأثناء استعراض الرسالة ننقل لكم مختصرا عن سيرة عبد العظيم الحسني رضوان الله تعالى عليه وثواب زيارته.
ورد عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أنّه قَالَ:
«يَا عَبْدَ الْعَظِيمِ، أَبْلِغْ عَنِّي أَوْلِيَائِيَ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ أَنْ لَا يَجْعَلُوا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ سَبِيلًا، وَمُرْهُمْ بِالصِّدْقِ فِي الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَمُرْهُمْ بِالسُّكُوتِ وَتَرْكِ الْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ وَإِقْبَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْمُزَاوَرَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إِلَيَّ، وَلَا يَشْتَغِلُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَمْزِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً، فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي‌ إِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَسْخَطَ وَلِيّاً مِنْ أَوْلِيَائِي دَعَوْتُ اللَّهَ؛ لِيُعَذِّبَهُ فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَكَانَ‌ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. وَعَرِّفْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِهِ أَوْ آذَى وَلِيّاً مِنْ أَوْلِيَائِي أَوْ أَضْمَرَ لَهُ سُوءاً؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا نَزَعَ رُوحَ الْإِيمَانِ عَنْ قَلْبِهِ، وَخَرَجَ عَنْ وَلَايَتِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيباً فِي وَلَايَتِنَا، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ‌». (1)
تفسير الرواية
يا عبد العظيم، بلّغ محبّي وشيعتي مني السلام وقل لهم: لا تجلعوا طريقاً في قلوبكم للشيطان حتى لا يستطيع الدخول فيه أي أغلقوا أمامه كل الطرق، وقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية مصرّحةً بعداوة الشيطان للإنسان، وبَيّن الله تعالى لنا فيها أنّ هذه العداوة قد اتخذتْ أساليب مختلفة وأشكالاً متباينة؛ ليتفطّن بنو آدم لمصائد الشيطان وكيده، وغروره وخداعه، وشراكه وأمانيه، ولكن العجب العجاب أنّ أكثر الناس في غفلة عن تنبّههم لهذه العداوة، بل إنّ الكثير منهم لمنساق بمحض اختياره تحت طوع وإرادة عدوّه؛ ولذلك يُحذّرهما الله تبارك وتعالى، فيقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (2) وقال سبحانه في جليل خطابه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. (3)
هذه أول المراحل، فإذا استطاع الإنسان المؤمن أن لا يدخل الشيطان إلى قلبه، فيكون له طريق الصلاح والخير ميسوراً وسهلاً، ومن بعد ذلك أؤمرهم أن يكونوا صادقين في كلامهم، وهو مطابقة القول للواقع، وهو أشرف الفضائل النفسية، والمزايا الخلقية؛ لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامة في حياة الفرد والمجتمع.
فهو زينة الحديث ومنارها، ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاح والنجاة؛ لذلك مجّدته الشريعة الإسلامية، وحرضت عليه قرآناً وسنةّ.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ *‏ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. (4)
وقال تعالى: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. (5)
ثم يذكر خصلة مهمة جداً في الشريعة الإسلامية -وهي التي عرف بها صاحب الشريعة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عندما لُقب بالصادق الأمين- حيث ورد التأكيد على تسليم الأمانات إلى أهلها عند مطالبتها بدون أي تردد.
ثم يأتي الدور إلى السكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم؛ إذ أنَّ قلّة الكلام وكثرة التفكّر والصمت من موجبات الفوز والنجاح والفلاح، وفي هذا الخصوص ورد عن صادق أهل البيت عليهم السلام أنه قال: «نَجَاةُ المُؤْمِنِ فِيْ حِفْظِ لِسَانِهِ»، (6) وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «مَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ»، (7) وروي عن آدم أبي البشر عليه السلام أنَّهُ لما كثر وِلْدُهُ، وولد ولده، كانوا يتحدّثون عنده وهو ساكت، فقالوا: «يَا أَبَهْ مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ! فَقَالَ عليه السلام: يَا بُنَيَّ، إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَمَّا أَخْرَجَنِي مِنْ جِوَارِهِ عَهِدَ إِلَيَّ، وَقَالَ أَقِلَّ كَلَامَكَ تَرْجِعْ إِلَى جِوَارِي». (8)
وأما ترك الجدال فهو أن تريد التغلب في الكلام على طرف الحديث، فتقول لإثبات ما ارتأيته حقّاً كان أم باطلاً في قرارة نفسك، وهنا نذكر ما هو الفارق بين الجدال المحرم والمستحب ضمن رواية الواردة في كتاب التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام، حيث ورد بأنه: ذُكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام قد نهوا عنه، فقال الصادق عليه السلام:
«لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ نَهَى عَنِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَمَا تَسْمَعُونَ الله يَقُولُ: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، (9) وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾. (10) فَالْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَدْ قَرَنَهُ الْعُلَمَاءُ بِالدِّينِ، وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، وَحَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا». (11)
وقل لهم أن يتزاوروا فيما بينهم، ويقيمون العلاقة الودية؛ إذ أنّ هذا العمل يجلعهم قريبين منّا أهل البيت عليهم السلام.
وقد ورد في العديد من الروايات الشريفة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام الحث الشديد على التزاور، والتآلف، والمودة بين المؤمنين، وإدخال السرور على قلوبهم، وقضاء حوائجهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، ومواساتهم في السراء والضراء، فقال الإمام الصادق عليه السلام: «من زار أخاه في الله قال الله عز وجل إياي زرت، وثوابك عليّ، ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة». (12)
وعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أُوَدِّعُهُ، فَقَالَ: يَا خَيْثَمَةُ، أَبْلِغْ مَنْ تَرَى مِنْ مَوَالِينَا السَّلَامَ، وَأَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَأَنْ يَعُودَ غَنِيُّهُمْ عَلَى فَقِيرِهِمْ وَقَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ، وَأَنْ يَشْهَدَ حَيُّهُمْ جِنَازَةَ مَيِّتِهِمْ، وَأَنْ يَتَلَاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ؛ فَإِنَّ لُقِيَّا بَعْضِهِمْ بَعْضاً حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا. رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا، يَا خَيْثَمَةُ أَبْلِغْ مَوَالِيَنَا أَنَّا لَا نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ، وَأَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا، ثُمَّ خَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ‌». (13)
هذا شرح مختصر لبعض فقرات هذه الرسالة المباركة، والآن نورد مختصرا عن سيرة السيد عبد العظيم الحسني سلام الله عليه.
حدثنا أحمد بن محمد بن خالد البرقي، قال: كان عبد العظيم ورد الري هاربا من السلطان، وسكن سربا في دار رجل من الشيعة في سكة الموالي، فكان يعبد الله في ذلك السرب، ويصوم نهاره، ويقوم ليله، فكان يخرج مستترا فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق، ويقول هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر عليه السلام. فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب، ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله حتى عرفه أكثرهم. فرأى رجل من الشيعة في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله، قال له: إن رجلا من ولدي يحمل من سكة الموالي، ويدفن عند شجرة التفاح في باغ عبد الجبار بن عبد الوهاب، وأشار إلى المكان الذي دفن فيه فذهب الرجل؛ ليشتري الشجرة ومكانها من صاحبها، فقال له: لأي شيء تطلب الشجرة ومكانها؟ فأخبره بالرؤيا، فذكر صاحب الشجرة أنه كان رأى مثل هذه الرؤيا، وأنه قد جعل موضع الشجرة مع جميع الباغ وقفا على الشريف والشيعة يدفنون فيه، فمرض عبد العظيم، ومات رحمة الله عليه، فلما جرد؛ ليغسل وجد في جيبه رقعة فيها ذكر نسبه، فإذا فيها: أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. (14)
فضل زيارته وثوابها
تُوفي رضوان الله تعالى عليه في 15 من شوّال سنة 252 للهجرة، ودُفن بمدينة الري والتي تقع الآن جنوب العاصمة طهران، وقبره معروف يُزار.
وقد ورد عن محمّد بن يحيى العطّار عن بعض أهل الرَّيّ قال: دخلت على أبي الحسن العَسكريّ عليه ‌السلام فقال: أين كنت؟ فقلت: زُرتُ الحسين بن عليٍّ عليهما ‌السلام، فقال: أما إنّك لو زُرْت قبر عبدالعظيم عندكم لكُنتَ كمن زار الحسين عليه ‌السلام. (15)
 


1ـ الإختصاص / الشيخ المفيد / المجلّد: 1 / الصفحة: 247 / ناشر: المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد
2ـ سورة الأعراف: الآية 22.
3ـ سورة يس: الآية 60.
4ـ سورة الزمر: الآية 33-34.
5ـ سورة المائدة: الآية 119.
6ـ بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 68 / الصفحة: 283.
7ـ بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 68 / الصفحة: 283.
8ـ بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 68 / الصفحة: 283.
9ـ سورة العنكبوت: الآية 46.
10ـ سورة النحل: الآية 125.
11ـ تفسير الإمام العسكري عليه السلام /  المجلّد: 1 / الصفحة: 527.
12ـ بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 77 / الصفحة: 192.
13ـ الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد: 2 / الصفحة: 176/ ط الاسلامية.
14ـ معجم رجال الحديث / السيد أبوالقاسم الخوئي / المجلّد: 11 / الصفحة: 51.
15ـ كامل الزيارات / ابن قولويه القمي / المجلّد: 1 / الصفحة: 338 / ط مكتبة الصدوق.

 
 

شارك هذا المقال

التعليق 0

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه