مجلة ريحانة الالكترونية

المساواة بين الرجل والمرأة في القرآن الكريم

مدة القرائة: 5 دقائق
من خلال دراسة القرآن الكريم نجد أن الله تعالى خلق الرجال والنساء من نفس واحدة، وجعلهما متساويين في الإنسانية والقرب من نفسه، واعتبر تفوق كل واحد على الآخر على أساس التقوى؛ حيث بيّن أنه خلق الرجال والنساء من نفس واحدة: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾،(1) و﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (2) وإنّه سبحانه وتعالى في بدء الخلق جلعهما معا في الجنة وفي مكان واحد: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾،(3) ولكن الشيطان خدعهما معاً، ولم يكن أقرب للمرأة من الرجل ولم تكن له سيطرة على المرأة أكثر من الرجل: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ‎﴿٢٠﴾‏ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ‎﴿٢١﴾‏ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾‏.(4)
وبهذه الطريقة أنزلهم من مقامهما بخداعه لهما، وحلف الشيطان أنه سيضل بني آدم ذكورا كانوا أم إناثا، واستثنى منهم عباد الله المُخلصين ذكورا وإناثا: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‎،‏ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾.(5) طبعاً، أن الشيطان لا سيطرة له على عباد الله ذكوراً كانوا أو إناثاً، لكنه يسيطر على كل أحد يتولاه: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾(6) ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾.(7)
في كل هذه المراحل، الرجل والمرأة متساويان. وقد كرم الله الإنسان بشكل عام، فلما خلق الإنسان وجعل له جسد، ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود أمامه، ولم يخصص هذا الشرف للرجال: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾.(8)
لقد نزل القرآن الكريم باللغة العربية ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾،(9) تستعمل اللغة العربية ضمائر وصفات المذكر في الأمور المشتركة بين الرجل والمرأة (التي تشمل معظم الحالات) والأمور التي لا يوجد فيها الجنس، كما في لفظ الجلاله والملائكة، فإن صيغ الجمع المذكر في القرآن الكريم في معظم حالاتها تشمل كلا من الرجال والنساء ما لم يكن هناك قرينة خاصة تريد الرجال دون النساء فيكون المراد كلا الجنسين، وعلى سبيل المثال الله في الآية: ﴿ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾،(10) فإنّ القرآن كتاب هداية للمتقين سواء الرجال والنساء.
ووعد الله سبحانه وتعالى الصالحين الجنة، وفي قباله وعد الفجار والفاسدين النار، ولم يخصص الرجال دون النساء، بل خص كلا الجنسين بصيغة جمع المذكر: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‎، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾.(11)
وقد وعد الله الجنة لكل من عمل عملا صالحا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ﴾،(12) ومنح الله سبحانه وتعالى كلا من الرجال والنساء العقل والفطرة وأعطاهم قدرة الاختيار، كما منحهم الثقة الكبيرة عندما عرض عليهما الأمانة التي عجز عن قبولها الجبال العظيمة وتقبل حملها الإنسان بكلا جنسيه: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ‎﴾،(13) وفي الهدف من خلق الإنسان هناك عامل مشترك يتم تبينه، وهو العبادة فلا فرق بين عبودية الرجل والمرأة أمام المولى عزّ وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾.(14)
ولم يفرّق الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة في الاستفادة من نعمه وملاذة الحياة الطيبة؛ لأنه قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.(15)
جعل الله سبحانه وتعالى كلا الجنسين متساويين في إجابة الصلاة والعدالة والإحسان نحوهما: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.(16)
ولم يفرق الله بين المؤمنين والمؤمنات من حيث الغفران وإعطاء الثواب العظيم على الأعمال الصالحة وفي هذا الصدد لا فرق بين الرجل والمرأة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.(17)
إنّ الله سبحانه وتعالى جعل نوع واحد من المساوة بين المرأة والرجل الصالحين في دخولهما الجنة حيث قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾،(18) وقد ورد في القرآن الكريم أيضا: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.(19)
وجعل معيار التمايز بين الرجال والمرأة وجميع أفراد المجتمع التقوى؛ إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.(20)
إنّ الله سبحانه وتعالى جعل كلا الجنسين من الذكر والمؤنث مكمّلا للجنس الآخر، وجعل كلا منهما يتبلور وينضج ويصل إلى الكمال بوجوده مع الجنس الآخر، وكل من هذين الجنسين غير مكتمل حتى ينضم إلى الآخر، ولا يمكن إزالة عيبه إلا برفقة الجنس الآخر: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾،(21) فكل من هذين الجنسين هو غطاء للآخر، وكل منهما يحتاجه الآخر، وفي الوقت نفسه يكمله.
ومن جملة ذلك ما نقل عن أم سلمة وهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله، ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء؟
فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.(22)
وقد روي أيضا أن عليا عليه السلام لما هاجر مع الفواطم (وهن فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة بنت الزبير) من مكة إلى المدينة، ولحقت به أم أيمن -وهي إحدى زوجات النبي المؤمنات- في أثناء الطريق نزلت الآية الحاضرة.(23)
ولأجل أن لا يتصور أحد أن هذا الوعد الإلهي يختص بطائفة معينة كالذكور دون الإناث –مثلا- فلم يفرق في هذا الأمر بين أن يكون العامل ذكرا أو يكون أنثى؛ لأن الجميع يعودون في أصل الخلقة إلى مصدر واحد بعضكم من بعض، أي يولد بعضكم من بعض، النساء من الرجال، والرجال من النساء، فلا تفاوت في هذه المسألة بين الذكر أو الأنثى، فلماذا يكون هناك تمايز في الجزاء والثواب؟
ويمكن أن تكون عبارة بعضكم من بعض إشارة إلى أنكم جميعا أتباع دين واحد، ورواد منهج واحد وأنصار حقيقة واحدة، فلا معنى لأن يفرق الله سبحانه بين جماعة وأخرىـ ويميز بين طائفة وطائفة، وجنس وآخر.
ذكر القرآن الكريم مواقف عديدة للمرأة في بعض الأمور السياسية والاجتماعية والدينية، وكانت بجانب الرجال الأخيار والأتقياء الصالحين والمجاهدين الذين وردت أسماؤهم في القرآن الكريم، وقد ورد أيضا أسماء لنساء صالحات كزوجة فرعون التي كانت خير مثال لهذه النساء اللواتي على رغم من من أنها كانت تعيش في بيئة مليئة بالقسوة والفساد مثل بلاط فرعون لم تتلوث بتلك البيئة، فحرّكت مشاعرها ومشاعر زوجها الميتة واستخدمت هذا الأمر لكي تنقذ نبي الله من الموت الحتمي، وعندما سمعت رسالة الوحي آمنت بالله وثبتت على إيمانها حتى وفاتها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.(24)
 


1ـ نساء:1
2ـ نحل:72
3ـ بقره:35
4ـ الأعراف: 20 ـ 22.
5ـ حجر:39ـ40
6ـ اسراء:65
7ـ نحل:100
8ـ حجر:29
9ـ یوسف:2
10ـ بقره:2
11ـ انفطار: 13 ـ 14
12ـ نساء:124
13ـ سورة الأحزاب: 72.
14ـ ذاریات:56
15ـ نحل:97
16ـ آل عمران:195
17ـ احزاب:35
18ـ نساء:124
19ـ غافر:40
20ـ حجرات:13
21ـ بقره:187
22ـ آل عمران:195
23ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل نویسنده: مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر    جلد: 3  صفحه: 54.
24ـ تحریم:11
 

 

شارك هذا المقال

التعليق 0

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه