غريبة تلك المرأة ( زينب بنت عليّ، بنت فاطمة ) في جميع حالاتها وأدوارها منذ ولادتها عليها السّلام إلى نهاية عمرها الشريف، لقد نشأت، وترعرعت في بيت الوحي والنبوة والإمامة حيث أدركت جدها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وكانت ملازمة لوالدتها السيدة فاطمة صلوات الله عليها، وتغذت منها جميع المحامد والمكرمات والعلم« حيث أصبحت كأمها صدّيقة.

ومن جانب آخر کانت تحت ظل والدها أمير المؤمنين صلوات الله عليها حيث أخذت منه معالم دينها، وارتشفت منه جميع الصفات الحميدة ومنها بيانه عليه السلام، حيث كان هو أمير البيان والكلام؛ فصار كلامها ككلامه وبيانه، فنشاهد عندما خطبت بالكوفة بعد واقعة الطف ذكّرت أهل الكوفة بخطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقد ورد في الأخبار بأنها: "تفرغ عن لسان أبيها".
ومن بعد والدها كانت في كَنف أخوَيها الحسن والحسين صلوات الله عليهما، فارتشفت من المعارف الإلهية ما حُرمت منه النساء جميعاً إلاّ أمَّها فاطمة صلوات الله عليها.
وقد شاركت أهلَ بيت المصطفى صلّى الله عليه وآله في محنهم ومهمّاتهم، وشاهدت مصائب ومعاناة جدها وأمها وأبيها وأخاها الحسن، الواحد تلو الآخر، حتّى بقي لها قرةُ عينها، أخوها أبو عبدالله الحسين عليه السلام وهو بقية الماضين من أطياب أهلها المسلي لها ولقلبها، والسند في حياتها، كما أنها كان يطيّب حياتها المفجوعة بأخلاقه الشريفة، فضلا عن إخوتها من أبيها وهم أولاد المرأة الطيبة الموالية لأهل البيت (ع) أمّ البنين: العباس وإخوته عليهم السلام، فكانت هي أختهم، وهم حماتها، وإضافة إلى ذلك كانت زينب مرأة في ذروة الكمال كمال العقل وهي العقيلة، بل عقيلة بني هاشم، وقد ورد عن حبر الأمة ابن عباس واصفا أياها: "حدثتنا عقيلتنا".
وفي هذه المرحلة صدر عنها من العلوم القرآنية والأخبار والروايات ما ثبّتت به حقائق كثيرة في حياة الرسالة وضمائر المسلمين، فهي التي روت لنا خطبة أمها الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السّلام تلك الخطبة التي احتجّت بها على مَن غصب فدكاً، روتها زينب سلام الله عليها بحذافيرها وطولها، هذا وهي لم تكن تبلغ السابعة من عمرها الشريف حين سمعت الخطبة تلك، كما روت قصة ولادة الإمام الحسين، نقلتها عن أمها، وعن العقيلة زينب رواها ابن أخيها عليّ بن الحسين عليه السّلام.
لكن يبدأ دور العقيلة ومهمتها منذ رحيلها إلى أرض كربلاء برفقة أخيها سيّد الشهداء الحسين عليه السّلام تؤازره وتنصره، وتقدّم أولادها بين يديه ضحايا فداء لإمامته، فقطعت ذلك الطريق الصعب من المدينة المنورة إلى طفّ الغاضرية حيث مصارع أحبتها الكرام، إخوتِها وبني عمومتها آل أبي طالب وبني هاشم وأصحابهم الأوفياء.
ثمّ جاءت قضية السبي وأخذهم أسارى، وما أدرانا ما السبي! تلك المرحلة الصعبة وعليها أن تواجه القساة من أعداء أهل البيت (ع)، بل أعداء الإنسانية، وأدت رسالتها ومهمتها، ولولاها لاندثر تراث النهضة الحسينية، فشاطرت أخاها الحسين عليه السلام بحمل ما أوجب الله لهم، فقامت تخطب في الكوفة والشام، وتفند مزاعم الطغاة، وتحفظ وديعة الله وإمام عصرها السجاد عليّ بن الحسين عليه السّلام، وترعى العيال وهم جمع من الأرامل واليتامى يتصارخون مما لاقوا، حتى ورد: السلام على قلبها الصبور.
قال بشير بن خزيم الأسدي وهو يروي خطبتها في الكوفة وتحديدا عند الطاغية المتغطرس ابن زياد:
ونظرت إلى زينب بنت علي عليه‌ السلام يومئذ فلم أر خفرةً (1) ـ والله ـ أنطق منها ، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا.
فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثم قالت:
(الحمد لله والصلاة على أبي: محمد وآله الطيبين الأخيار.
أما بعد:
يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر!!
أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة.
إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم.
ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف؟ والصدر الشنف؟ وملق الإماء؟ وغمز الأعداء؟
أو كمرعى على دمنة؟ أو كفضة على ملحودة؟
ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون؟ وتنتحبون؟
إي والله، فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً.
فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً.
وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة؟ ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهلا الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة سنتكم؟؟
ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.
وَيلكم يا أهل الكوفة !
أتدرون أيّ كبدٍ لرسولا لله فَرَيتُم؟!
وأيّ كريمةٍ له أبرزتم؟!
وأي دم له سفكتم؟!
وأيّ حرمةٍ له هتكتم؟!
لقد جئتم بها صَلعاء عَنقاء سَوداء فَقماء، خَرقاء شَوهاء، كطِلاع الأرض وملء السماء.
أفعجبتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تُنصَرون.
فلا يَستَخفّنكم المُهَل، فإنّه لا يَحفِزُه البِدار، ولا يَخافُ فَوتَ الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد).
قال الراوي: « فوالله لقد رأيت الناس ـ يومئذ ـ حَيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم. ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته، وهو يقول: « بأبي أنتم وأمي!! كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى». (2)
لله درها من بطلة عظيمة وامرأة جليلة، فما أفصح خطابها وخطبتها، ويا له من توكل على الله لا مثيل له، توكل من امرأة تعيش أقسى حالات الاضطهاد والظلامية، فوقفت تلك المواقف المشرفة التي تبقى العقول حيارى في تفسيرها وتحليلها، فتخطب تلك الخطبة الفصيحة وهي ثابتة القلب لم تتزعزع، ولا تظهر أي جزعا عما لاقته من مصائب أفجع صور قتل أهلها وأصحابها، وكيف لا تكون كذلك وهي بنت أمير المؤمنين (ع) البطل الضرغام قالع باب خبير، وقاتل صناديد الشرك في بدر وأحد وحنين.
وللكلام صلة يأتي أنشاء الله لاحقاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱. خفرةً: المرأة الشديدة الحياء.
2. كتاب « الملهوف » للسيد ابن طاووس، المتوفّى سنة ٦٦٤ هـ، ص ١٩٢ ـ ١٩٤.

 

انشر هذا المقال

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة


من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه