الأمور الفطرية لا تنحصر بشعب أو مجتمع أو أفراد خاصين، بل تشمل كلّ من نفخ الله فيه من روحه، والزواج وتكوين عائلة هادئة متكافئة ومنسجمة، هدف أساسي لجميع الأفراد وفي جميع المجتمعات وحتى يمكن القول بأنّ لدى الحيوانات كذلك توجد هذه الخصلة، فنرى بأنّ الحيوانات يتجانسون مع نفس النوع.

والإسلام بدوره أولى اهتماما بالغا للزواج وتكوين العائلة، حيث لم ينفِ زواج كلّ من لم يتزوّج بالطريق الإسلامي، بل قال وعلى لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (لِكُلِّ قَومٍ نِكَاحٌ)،(1) وذلك لمنع تشكيك المُغرضين في كيان الأسر في الديانات والمجتمعات الأخرى، وعليه أكّد المعصومين (عليهم السلام) على الزواج والنيل من العزوبية وتكوين العائلة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (النِّکَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَیْسَ مِنِّي(2) وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ( تَزَوَّجُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّبِعَ سُنَّتِي فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِيَ اَلتَّزْوِيجَ)،(3) كذلك فقد ورد عن الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله) أنّه قال: (مَا بُنِيَ بِنَاءٌ فِي اَلْإِسْلاَمِ، أَحَبُّ إِلَى اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ اَلتَّزْوِيجِ(4) وعنه (صلى الله علیه وآله): (إذا تَزَوَّجَ العَبدُ فقدِ استَكمَلَ نِصفَ الدينِ، فَلْيَتَّقِ اللّه َ في النِّصفِ الباقي).(5)

في روایة أنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال لرجل اسمه "عَکَّافْ": (ألَكَ زوجةٌ؟ قَالَ: لا، قَالَ: ألَكَ جَارِیَةٌ؟ قَالَ: لا یَا رَسولَ اللَّه، قَالَ: أفَأنتَ مُؤسِرٌ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: تَزَوَّج وَإلّا فَأنْتَ مِن المُذنِبِینَ)،(6) كذلك کان (صلى الله علیه وآله) یحثّ الناس دائماً على الزواج، فیروى أنّه منع بعض أصحابه ممّن ترك الناس رغبة في العبادة، فقال لهم: (لا رَهْبانِیَّةَ فِي الإِسلامِ).(7) وفي حديث آخر یروى أنَّ امرأةً سألت أبا جعفرٍ الباقر (علیه السلام)، فقالت: (أصلَحَكَ اللّهُ، إنّي مُتَبَتِّلَةٌ، فقَالَ لَها: وما التَبَتُّلُ عِندَكِ؟ قالَت: لا اُرِیدُ التَّزویجَ أبدا. قَالَ: ولِمَ؟ قَالَت: ألتَمِسُ في ذلكَ الفَضلَ، فقَالَ: انصَرِفي فلَو کانَ في ذلكِ فَضلٌ لکانَت فاطمةُ (علیها السلام) أحَقَّ بهِ مِنكِ، إنّه لَیسَ أحَدٌ یَسبِقُها إلى الفَضلِ).(8)

كلّ هذا التأكيد والإلحاح ورد في الترغيب إلى الزواج والابتعاد عن العزوبية، لكن لماذا هذا التأكيد؟ ما التأثير الذي يقع في الفرد بعد الزواج؟ إنّ الشخص قد يُقيّد بعد الزواج بالمرأة والأطفال والمسؤولية، هل هذه نعمة أو نقمة؟

يمكن أن نجد جواب هذه الأسئلة في بعض كلام الله عزّ وجلّ حيث قال فيها: ﴿وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا﴾،(9) وجعل السكينة هي العلّة والمبرر للزواج، ويمكن أن نجد هذا الاستقرار والسكينة على المستويات النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة والماديّة، فکلّ أنواع الاستقرار موجود في الزواج وكلّ ذلك؛ لأنّ الزواج لم یشرَّع لیعالج زاویة واحدة فقط، بل يشمل جميع زوايا الحياة؛ لذلک عندما یقع خللٌ ما في الحیاة الزوجیة فقد یکون -من البدایة- بسبب طریقة التفکیر. فإذا سُئلَ الرجل لماذا تزوجت؟ یقول: لأنّني أرید مَن یخدمني، ويريد بذلك أنّه أخذ جانباً من هذا الزواج، وإذا سُئلت المرأة لماذا تزوجت؟ تقول: أنا تزوجت؛ لأنّي لم أعد أتحمّل البقاء عند أهلي.

إذن کل واحد منهما أخذ جانباً، ولم یلتفت للجوانب الأخرى من الحياة؛ فعند ذلك یمکن أن يتعرض كيان الزواج إلى مشاکل، ویقول کلّ واحد منهما: أنا لا أشعر بسکن في الزواج. نعم، لأنّهما لم یُکملا مقومّات السکن، فمقومات السکن مشترکة ومتعددة، وبالتالي لابد من العمل معاً من أجل تحقیق السکن فیما بینهما.

كذلك توجد آيات أخرى تشير إلى بعض أسباب الزواج، ومنها: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَکُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُن﴾،(10) حيث تؤكّد على فائدة الزواج وتذمّ الأعزوبية.

 

 

() تهذيب الأحكام، ج7، ص472.

(2) بحار الأنوار، ج103، ص220، ح23.

(3) الكافي، ج5، ص329، ح5.

(4) من لا يحضره الفقيه، ج3، ص384، ح4343.

(5) كنز العمال، ج16، ص271، ح44403.

(6) بحار الأنوار، ج100، ص221، ح27.

(7) الخصال للصدوق، هامش ص138.

(8) الكافي، ج5، ص509، ح3.

(9) سورة الروم:21.

(10) سورة البقرة: 187.

انشر هذا المقال

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة


من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه