من دون أي شك أو ترديد نستطيع القول بأنّ تفوق ونجاح البشر مرتبط بتربيته الجنسية؛ لأنّ تكامل وتعالي الإنسان مرتبطان بصحة تربيته في جميع أبعاد هذه الحياة وغريزة الجنس أحد هذه الأبعاد.

فلهذا أي تكتل أو أي مذهب يدّعي أنه ضامن لسعادة البشر يجب عليه أن يكون عنده دستور خاص لهذه الغريزة التي هي مودوعة في فطرة الإنسان.
وعند التعرض للمسائل الجنسية والبحث عنها نرى أن كثيرا من المواقف متغايرة ومتضاربة في ما بينها التي تصدر عن بعض التيارات المختلفة، فبعض منهم يرى ثقل حياة الإنسان عبارة عن غريزته الجنسية؛ وأفرطوا في إشباع هذه الغريزة، حتى وصل الأمر إلى عدم وجود تقيّد وتحفّظ في هذا الأمر، ومن جانب آخر نرى البعض بأنهم قد ذهبوا إلى الرهبانية والتقدس المزيّف بحجة الدين، ولم ينظروا إلى هذه الحاجة الماسة في الإنسان، حتى ظهر هذا الأمر في صدر الإسلام، وهو تحريم الطيّبات حال الرهبان الذين كانوا يحرّمون على أنفسهم المطاعم الطيّبة والمشارب اللذيذة، والنساء، ويسيحون في الأرض، ويحبسون أنفسهم في الصوامع، وقد همّ قوم من الصحابة أن يماثلوهم، فنهاهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن ذلك‌، كما في قضية عثمان بن مضعون حين اتخذ الرهبانية مسلكا له، وأخذ لم يقارب زوجته وعندما سمع بذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قام، وخطب في أصحابه: «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أمّا إنّي لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنّه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتّخاذ الصوامع، وإنّ سياحة أمّتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا اللّه، ولا تشركوا به شيئاً وحجّوا، واعتمروا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم ...».(1)
وكانت هذه القضية سبباً لنزول هذه الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).(2)
واليوم البشرية بكل تطوراتها في المسائل العلمية عاجزة عن حل الأزمة الموجودة في الثقافة الجنسية من الناحية التربوية والتعليمية، وهذا لعدم اطلاعهم على خفايا الأمور وغفلتهم عن الآثار الروحية والمعنوية والأخلاقية والإجتماعية هذا كله لعدم تمعنهم في هذه الأمور، بل اكتفوا بالبعد المادي؛ ولهذا وقعوا في هذه الأزمة.
وفي التعاريف التي وردت في التربية الجنسية كلها تشير إلى مطلب مهم، وهو وجوب توفير أرضية لنمو الغريزة الجنسية بصورة تكون ضامنة لصحة الاستفادة من هذه الغريزة، حيث تحميه من الانحرافات والتهديدات الجنسية التي تواجه جيل الشباب، وأيضاً يوجد تعريف آخر وهو أن التربية الجنسية تمهد الطفل عندما يصل إلى سن البلوغ يستطيع أن يشخص الحلال من الحرام في المسائل الجنسية، ويعرف الوظائف الزوجية وأن لا يكون غير مقيد بالتعاليم الإسلامية أو يتيه في هذا الوادي السيّال.
وبناء على ما تقدم، فإن التعليم والتربية الجنسية تجب أن تكون بصورة دقيقة ومدروسة، وتكون هدفها تثقيف جيل سالم ومجتمع صالح؛ لأن المجتمع المؤمن يتكون من أفراد مؤمنين ملتزمين بالشريعة السماوية السمحاء، فجميع التعاليم التي وردت في  كتب العلماء -رحم الله الماضين منهم وحفظ الله الباقين منهم- في هذا المجال مصدرها أحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وروايات أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الامثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 4، ص 131.
2ـ سورة المائدة: 87.

 

انشر هذا المقال

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة


من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه