من جملة الأمور الاجتماعية المهمة اليوم هي مسألة الضيافة حيث تحظى بدور فعّال في بناء المجتمع وتطوير العلاقة بين أفراد المجتمع وجعله كعائلة واحدة مترابطة، وما لها من مكانة مرموقة وعالية، وان الضيف يحل بالبركة في البيت الذي يحل به،

ويجلب رزقهُ معه، وبخروجه من بيت صاحب الضيافة يُخرج بذنوب صاحب البيت معه، فعن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: «إذا أراد الله بعبد خيرا أهدى لهم هدية، قالوا: وما تلك الهدية؟ قال: الضيف ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب أهل البيت».(1)
وقد حث الإسلام، ورغّب على إقامة الضيافة، وذكر لها آداب جميلة ولطيفة، وأن مراعتها تجلب المحبة للطرفين والاحترام، وتؤدي إلى ربط المجتمع أكثر فأكثر بشرط تطبيق تعاليم الإسلام، كما جاء في الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام: «دعا رجل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له عليه السلام: قد أجبتك على أن تضمن لي ثلاث خصال، قال الرجل: وما هي يا أمير المؤمنين؟
قال عليه السلام: لا تدخل علي شيئاً من خارج، ولا تدخر عني شيئاً في البيت، ولا تجحف بالعيال، قال ذاك لك يا أمير المؤمنين، فأجابَهُ».(2)
فإن الله تعالى لا يحب أن يضيق الإنسان على نفسه، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه: «شر الأخوان من تكلف له».(3)
ولا بد من الإشارة هنا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنه هناك فرق بين أن يكون الإنسان جالساً في بيته، ويأتيه أخ من دون دعوة، وبين أن يقيم الإنسان وليمة، ويدعو إليها إخوانه وأهله، ففي الحالة الأولى لا ينبغي أن يتكلف الإنسان لأخيه فيها، والروايات التي مرت إنما تتحدث عن هذه الحالة وأشباهها، أما لو أقام الإنسان وليمة، ودعا الناس إليها، فينبغي له التكلف بأن يحسن المأكل والمشرب ويهيئ لهم من الكرامة ما يليق بشأنه وشأنهم، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أتاك أخوك فأتِهِ بما عندك، وإذا دعوتَه فتكلَّف له».(4)
وصفة إكرام الضيف من مكارم الـأخلاق، وهي صفة جميلة تحلَّى بها جميع الأنبياء والصالحين، وحثوا عليها، وكانت وسم شرف ورفعة لمن كان يتصف بهذه المكرمه، وكان صاحب كلمة مسموعة في قومه.
وينبغي أن يكون إكرام الضيف في طلاقة الوجه، وطيب الكلام، وحسن المعاشرة، واذا كان القصد لوجه الله يجود بالموجود، ولا يتكلف التكلف الذي هو فوق الطاقة، ويتحمل الصعاب والمشقة؛ فلا يكون ذلك محبوب عند الله تعالى.
ويجب على الإنسان أن يحفظ حرمة ضيفه، ولا يستخدمه في حوائجه أو يكون طامعاً في دعوته بأن يطلب منه شئ خارج عن طاقته، كما في الرواية المروية عن ابن أبي يعفور قال: «رأیت عند أبی عبد الله علیه السلام ضیفاً، فقام یوماً فی بعض الحوائج، فنهاه عن ذلک، وقام بنفسه إلى تلک الحاجة، وقال: نهى رسول الله صلّى الله علیه وآله عن أن یستخدم الضیف».(5)
هنا نذكر قصة جميلة عن أحد مراجع الطائفة الحقة، وهو السيد شهاب الدين المرعشي النجفي أعلى الله مقامه وكيفية أكرامه للضيف.
كان السيد كثير ما يحترم الضيف، ويتعامل معه بكل لطف وحنان، وفي أحد الأيام جاء لزيارته الفيلسوف الفرنسي هانري كربن،  وقبل وصوله جعل سماحة السيد له كرسياً في صالة الاستقبال، وهو جلس على الأرض، وعندما جاء هانري كربن تعجب من المنظر، ولم يجلس على الكرسي احتراماً للسيد، ولكن السيد قال له من عاداتكم الجلوس على الكرسي، والجلوس على الأرض قد يؤذيك، وأحب أن تكون عندي مرتاحاً، وكان شهر رمضان المبارك وأراد السيد أن يأتي بالشاي إليه، ولكن هانري كربن قال للسيد نحن في شهر رمضان والشاي غير لازم، ولكن السيد رد عليه: إكرام الضيف واجب علينا؛ بما أنك أنك مسافر لا أشكال في ذلك، ولم يشر السيد له بأنك مسيحي، ولكن قال له أنت مسافر.
ــــــــــــــــــــــــ
1ـ مستدرك الوسائل: ج 16، ص 258.
2ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2 ، ص 42.
3ـ بحار الأنوار: ج 74، ص 165.
4ـ الكافي: ج 6، ص 276.
5ـ الكافي: ج 6، ص 283.

 

انشر هذا المقال

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة


من نحــن

مجلة ريحانة الالكترونية تعنى بجميع شؤون المرأة التي تناولها القرآن الكريم والسنة الشريفة. تعمل هذه المجلة تحت مجموعة شبكة رافد للتنمية الثقافية وهي مجموعة ثقافية تحت إشراف مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
علماً بأن عنوان هذه المجلة قد تم اقتباسه من الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام): "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة".(نهج البلاغة)

أحدث المقالات

اسألي الفقيه